فخر الدين الرازي
67
تفسير الرازي
خرج ، وكل ما كان كثيفاً احتبس في الداخل ولم يخرج ، فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصاً موافقاً لبدن الصبي سائغاً للشاربين . السادس : أنه تعالى ألهم ذلك الصبي إلى المص ، فإن الأم كلما ألقمت حلمة الثدي في فم الصبي فذلك الصبي في الحال يأخذ في المص ، فلولا أن الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص ، وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي . السابع : أنا بينا أنه تعالى إنما خلق اللبن من فضلة الدم ، وإنما خلق الدم من لطيف تلك الأجزاء ، ثم خلق اللبن من بعض أجزاء ذلك الدم ، ثم إن اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة ، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطباً ، وما فيه من المائية يكون بارداً رطباً ، وما فيه من الجبنية يكون بارداً يابساً ، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في ذلك العشب الذي تناولته الشاة ، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة ، مع أنه لا يناسب بعضها بعضاً ولا يشاكل بعضها بعضاً ، وعند ذلك يظهر أن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد ، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته ونهاية حكمته ورحمته ، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين . أما قوله : * ( سائغاً للشاربين ) * فمعناه : جارياً في حلوقهم لذيذاً هنيئاً . يقال : ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه ، ومنه قوله : * ( ولا يكاد يسيغه ) * ( إبراهيم : 17 ) . المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه ، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر ، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض ، فخالق العالم دبر تدبيراً ، فقلب ذلك الطين نباتاً وعشباً ، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك العشب دماً ، ثم دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك الدم لبناً ، ثم دبر تدبيراً آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن ، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك ، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ) * اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة ، ذكر في هذه الآية بعض منافع النبات ، وفيه مسائل :